المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ديريك معراج حنين الرّوح ـ نص


صبري يوسف
24-11-2014, 09:29 PM
ديريك معراج حنين الرّوح

ديريك أيّتها المنبعثة من نور الأديرة القديمة، أيّتها المجبولة ببخور المحبّة، الواقفة في وجه الرّياح العاصفة، يا قبلة المحبّة يا معراج حنين الرّوح إلى أحواشنا العتيقة، يا تفّاحة القلب في ليلةٍ قمراء تناجي فيها النُّجوم بسمة الأطفال، يا صديقة حرفي وبوحي منذ أن تبرعمتُ على وجه الدُّنيا!

يا أمَّ القصائد وأخت الأغاني وإشراقة حبٍّ لمناجل الحصَّادين، يا خميرةَ عشقٍ لمروج غربة الرُّوح، يا أمَّ المبدعين والمبدعات، يا صديقة وديع عمسيح وكابي سارة وجاك إيليا، وديع عمسيح منارة عشقٍ لمهجة الحرف المتوّج فوق مسارح ستوكهولم، أيّها المعرّش في عرين الحضارة، أيُّها المعجون بأصالةِ الصّلصال، تتدفَّقُ إبداعاً كأّنَّكَ رسالةٌ منبعثة من شموخ جلجامش على مسرحِ الحياة من جديد، تأكيداً على تجسيد أولى أبجديات الحضارة، حضارة سومر وأكّاد وبابل وآشور وكلدو وآرام، يا رسول حضارة الحضارات، أراك تتوِّجُ أحلامنا وتوقنا فوق يراعِ الحياة، بحثاً عن حفاوةِ الكلمة، عطاءات مجبولة بجرأة العبور في لغة الكلام المجدول بحبقِ الحنطة، بحثاً عن أبجديات الشُّموخ فوق تيجان مسارح الإبداع!

كابي سارة خميلة فرحٍ متدفّقٍ من كروم ديريك، أيّها المعفَّر بشهوة الألوان المنسابة فوق سهول القمح الممتدَّة على مسافات الحنين، أيُّها المعجون بشموخ معلولا، الّتي توّجْتَ هاماتها بألوانٍ متناغمة مع صفاء زرقة السّماء، كأنّها معراج عشقٍ نحو قبَّة الأعالي، يا صديقَ الحرف واللَّون والشَّوق إلى أشجار اللَّوز وكروم ديريك في أوج اخضرارها، كم مرّة تهتَ عابراً في براري ديريك وأنتَ تلملم أزاهيرها البرّيّة، عائداً بكلِّ فرحٍ تضعها بين أحضان القصيدة، كم مرَّة عانقْتَ الأصدقاء على إيقاع مهجة الألوان، كم مرّة عبرتَ البحار بحثاً عن حلمٍ معرّش في أوداجِ الذَّاكرة، كم مرّة ذرفتَ الدُّموع شوقاً إلى أزقّة باب توما وفضاءات عوالمكَ في ديريك في ليالي غربتكَ المضمّخة بألوانٍ باذخة في أوجِ التّجليات، كأنّها ألوانٌ معتَّقة بأشهى أنواع النَّبيذ.

جاك إيليا رفرفاتُ أغنية ممزوجة ببراري الفرح، مسارات لوحةٍ معبَّقة بأشجار التُّوت، تلألؤات بسمة الصَّباح على أنغام فيروز، صديق الطَّبيعة والقصيدة وأنغام اللَّون المنساب على مسارات شهوةِ الحلم، يا باقة فرحٍ من نكهة النَرجس البرّي المتناثرة على صباحاتِ ديريك، يا دفّة العبور إلى خشبة المسرح في سماء ديريك قبل عقودٍ من الزّمان، يا حنين الأغاني إلى ينابيع الحضارة، يا لون القصيدة البكر، يا خيال الحالمين في عبور أمواجِ البحار، يا ابن قريبي هتِّي، آهٍ يا قريبي هتِّي، يا أبهى يوسف إيليّا في عرين الكلمات، سعيدٌ أن يحمل اسمكَ كنيتي، يا مؤسِّس سينما دجلة في أوج زمانِ القحط الفكري، يا صديق الحقول الفسيحة والخيال المتاخم لجبال جودي، يا أوَّل فيلم حضرته في حياتي في سينما قريبي هتّي، كيف خطر على بالك أن تؤسِّس سينما الدًّجلة قبل نصف قرن من الزَّمان، وديريك في حينها كانت غائصة في أعماق منحدرات الطِّين، كيف انتشلتنا من منزلقات الطّين، كم من الأفلام الهنديّة حضرتها ودموعي تنسابُ فرحاً وحنيناً وأنا أسمع أغاني شامي كابور وراجي كابور، كم من السَّعادة أدخلت إلى قلوبنا بسينماك، أفلامٌ من كلِّ عوالم الأرض، في زمنٍ كنّا نعدُّ وظائفنا على أضواء مصابيح الكاز! جاك إيليا ابن ديريك البار، ابن قريبي يوسف إيليا، كم من الحنين يا صديقي حتَّى تبرعمت هلالات الرُّوح فوق مسارات يراع القصيدة!

ديريك يا درب الصُّعود إلى أغوارِ الطَّلاسم، يا مجدَ التَّجلِّي في تصاعدِ بخورِ القداسات، ياعشبة خلاصي من نار الدَّهاء، يا مرجانة حلمي المتدفِّق فوقَ أمواجِ البحار، إنِّي أرى فوق خدٍّكِ سُفُنَ انبهاري، أرى شعلةَ بوحي تزدانُ فوق مآقي عينيكِ، طفولتي ترقصُ في خميلة ذاكرتي المعجونة بالزَّنبق البرّي، ديريك يا حلمي المعرَّش بأزاهير مبرعمة فوق جفونِ الغابات، يا أنشودةَ فرحي المرفرفة فوق بوّابات المدائن.

أيّتها الزّمرّدة المعتّقة بتبرِ الحياة، يا هديّة عمري وغيمة فرحي في أوجِ تفاقمات الإنكسار، أراكِ تتلألئينَ رغم دكنةَ اللَّيلِ، تشبهين حلمي الغافي فوق أشجارِ الحنين، شعري المجنّح نحو بسماتِ السَّماء، تشبهين تأمّلاتِ قدِّيسٍ مشرئبٍ بأصفى تجلّياتِ الكلام، تشبهين أمِّي المضمّخة بأغصانِ المحبّة ونكهةِ خبزِ التنُّور، يا حقول القمح المنسابة بين أيدي الفلاحين، يا محبّة والدي وهو يلتحف الأرض، غافياً تحت قبّةِ السَّماء على زقزقات العصافير، حالماً بإخضرار الحقول كي يكحِّل وجنة الطُّفولة بخيرٍ وفير، ديريك أيّتها المكتنزة بخيراتِ أطنانِ الحنطة.

ديريك يا يراع الشُّعراءِ والشّاعرات، يا صديقة جاكلين سلام وهي تنسج لأمِّها القصيدة على قميص اللّيل، على إيقاع حنين الصَّباحات، تنظر إلى والدها، عاشقاً حفاوة الأرض، عابراً رحابَ الكروم، وأعماقَ المروجِ، حاملاً على كتفيه رحيق القصيدة، رافعاً منجله بشغفٍ عميق كي يحصد غلال السِّنين، كما يحصد الشُّعراء حنين الرّوح الجَّامحة لابتهالات ولادات القصائد!

ديريك يا بسمة الرُّهبان في أقدس المقدّسات، يا سفيرة عشق المحبّة، يا أنشودةَ السَّلام، يا أخت الصَّابر على الملمّات يا حبيبة صبري يوسف وهو يرفرف عالياً مع حمائم بيته العتيق كي يفرش أجنحته فوق خدود القارَّات، يا مهجة الإبداع في زمنٍ من رماد، يا صديقة السَّلام المفهرس في قلوب الأحبة كلَّ الأحبّة، يا قصيدتي الجَّامحة فوق خدود الكون، يا ماء الحياة، يا نشوة عشقي إلى بهجة الإبتهال، كم من الانتعاش حتَّى اخضوضرت سهولك الفسيحة بخيرات الدُّنيا، كم من الآمال حتَّى انبعث من ترابك شهيق القصائد، كم من النَّجاحات لبنيكِ حتَّى ابتسمت الأمّهات لنجيمات الصّباح!

ديريك يا دمعةً ساخنة على مآقي توما بيطار وهو يحنُّ إلى مواسم الحصاد الأخيرة، يا شعلة فرحٍ في مزارات شوق القصيدة، يا براعم مخضّبة بتجلِّيات خيال توما بيطار، يا صديقة الشُّعراء المبلَّلين بحبر السَّماء، يا مظلّة ظليلة فوق قرى الشّمال، يا رسالة حبٍّ إلى أمِّي الحنونة، يا أخت توما بيطار بالرّضاعة، يا حليب أمّي المضرّج بأحلام الطُّفولة، يا قصيدة القصائد ويا أمَّ الأغاني المستولدة من ألقِ الشعراء، توما بيطار حلمٌ تائهٌ في مهبِّ الحنين إلى نسيم ديرك في ليلةٍ مبلّلة برفرفات أجنحةِ العصافير!

ديريك يا شعلة عشقٍ ممهورة في أشعار فؤاد زاديكي وهو ينشدُ أبجديات بوح القصيدة فوق سماء ديريك في ليلة قمراء، يبتسم فؤاد لنجوم اللَّيل كما تبتسم النّجوم لهطول زخات المطر في هدوء اللَّيل، يكتب فؤاد زاديكي القصيدة من هول تفاقمات أوجاع الرُّوح، بحثاً عن حلمٍ يهدهد أطفال الزّمن الآتي، ينسج القصيدة على إيقاعِ أوجاعنا الغائرة، فيشطح نحو تجسيد غربةٍ متفاقمة فوق مسارات جنون هذا الزَّمان! ديريك ابنة حرفٍ مزدانٍ بحفاوة الشُّعراء، التَّواقين لأشهى فضاءات بوح القصائد!

تسطع معالم ديريك أمامي، كلّما تتراقص قهقهات نعيم إيليا في واحات الذَّاكرة، يقف نعيم إيليا شامخاً أمام خصومه الشّطرنجيون، فيجرجرهم إلى خانات اليكّ، ليتربّع تاجاً من بهاء فوق أقدم عواصم الكون! طموحٌ من حفاوة النَّسيم العابر فوق خدود البحار، يكتب نعيم نصَّه من أعماق الجِّراح الغائرة فوق مساحات شهوة الإنكسار، يريد أن يزحزح ارتصاص الغبار الجَّاثم في صدور المقهورين، ضارباً عرض الحائط زمجرات الطُّغاة، كي يرسم عبر تجلِّيات خيوطه الإبداعيّة خارطة مسربلة باخضرار أشهى الأماني!

ديريك يا منبع الألحان يا مسقط رأس الفنّان حبيب موسى، ملك الأغنية السّريانيّة، يا ربّان القصيدة الجَّانحة نحو أنغامِ الأغاني، يا مبدع تحويل أبهى ما في أنغامِ التَّراتيل إلى أنشودة الأناشيد وأغنية الأغاني فوق مسارح الدُّنيا، حبيب موسى بوصلة الهداية إلى أقصى تجلِّيات مجد القصيدة، مهماز إبداعٍ فوق محراب لغة القدِّيسين، لغة معبّقة بشذى البخور، لغة الأرض الجَّانحة نحو حبورِ السَّماء، مَن منَّا لم يرقص على أنغام شامومر، أيُّها المفروش الجّناحين على مدى بهجة الأحلام، يا حلماً مندّى بالأقحوان، كم أنعشْتَ صدور الأحبّة على مدى عقودٍ من الزّمان، ستبقى أغانيك بواّبة العبور إلى قصورٍ مشرعة على رفرفات أجنحةِ الإبداع!

ديريك قصيدة شامخة منبعثة من هلالات حبرٍ مندلقٍ من مآقي غيمة، عطاءاتٌ على مدى استنارات الطُّموح، رؤية واسعة نحو مسار ربّان سفينة الحرفِ بهامات شامخة كشموخ نعيم زيتون وهو يقود نقابة النَّقابات في أوجِ المنافسات إلى قمّة الأبراج، منطلقاً من أكوام الحنطة، ومن أصالة أجدادٍ ومن ترابٍ معجون بنكهة السّنابل، راسماً فوق جبين المدائن رسائل من أريج الصُّعود إلى شموخِ الجِّبال!

ديريك يا سرّ انبعاث القصيدة، يا طموح العبور في مخيال يعقوب حنّا العابر إلى أقصى معاني اللُّغات، ديريك منارة فرحي إلى أبهى ما في حبور القصائد، ديريك مسار عشقي في أزهى ما في شهوة السَّردِ من ألقٍ، ديريك يا هدهدات هدوء زهير إيليا وهو يجسّد عرين الكلمة فوق مسارحِ أرقى المدائن، يرسم منارة الكلمة فوق غربة الإنسان الجَّانحة نحو شراهةِ النِّيران، كأنّه مرسالٌ محبوك من رحيقِ الأزاهير.

ديريك يا قصيدة معبّقة بإخضرار الحياة منقوشة على تدفُّقات الشَّاعر القسّ جوزيف إيليا، مبلسِماً خدود الكلمات النّازفة ببركات بخور الرُّوح وهي تعانق أحلام الطُّفولة، ديريك طموحات معتّقة بأصالة المسرح المتوّج بأبجديات الصُّعود نحو مروج الإبداع حيث قامة الفنّان أديب إيليا وأندريه إيليا تزهران بتجلّيات لغة الحكايات المعرّشة في خيال الأزمنة الغابرة، بحثاً عن النّور المنبعث من تيجان القصائد ومرامي القلوب النّازفة من تفاقمِ اهتياج الطّوفان، ديريك اشراقة عشقٍ معرَّش بنداوة نسيم اللَّيل.

ديريك يا ريشة الفنّان جوزيف إيليا أبو إيليا، يا نغمة فرحٍ فوق أغصان الدَّاليات، يا حنين اللَّحن العابق فوق آهات غربة الرُّوح، جوزيف إيليا تدفُّقات موسيقى من رحيق الإنبهار، ينبوعٌ مصفَّى من عذوبة الماء الزُّلال، يعزف كَمَنْ يناجي أسرار عتمِ اللّيل، كَمَنْ يفكُّ طلاسم زخّات المطر، كَمَنْ يرقص من وهج ارتعاشات بهجة القلب، يعزف على إيقاع حنين الرّوح إلى كرومٍ ظلَّت معرّشة في رحاب الذَّاكرة، بحثاً عن إبتسامات الوليد لنجيمات الصَّباح، أسطورة خيالٍ مزدانٍ بتراب ديريك الأصيل، يعزف تماوجات أحلامنا النازفة فوق يراع قلوبنا المجنّحة بكلِّ ابتهالٍ نحوَ صفاءِ زرقة السَّماء!

ديريك يا بوح القصائد يا ابتهالات التَّراتيل الصَّادحة من حناجر جوقات التَّراتيل، يا صوت الشمّاس سعيد الأعمى، فاقد البصر، عميق البصيرة، صوتٌ يجلجل كحنين الجّبال إلى شموع الكنائس القديمة، يا وتراً مشدوداً على جراح الرُّوح التَّوَّاقة إلى نضوحِ الزَّيت المقدّس في كنيسة مريم العذراء في ديريك العتيقة، ديريك يا منبع الأديرة المستعصية عن الإنكسار، أيَّتها الشَّامخة بالقداساتِ على وجنة الزّمن.

ديريك أيّتها النّعمة المتهاطلة فوق قامة بهنان صارة وهو يسرد قصصاً من أشهى الفكاهات، بهنان صارة قصّة إبداعٍ على مسرح الحياة، في سرد فكاهاتٍ من أشهى مذاق الإنبهار، يروي حكايات مجدولة بفرحٍ مسربلٍ بقهقهات تنقّي الرُّوح من ضجر الحياة، بهنان صارة أيّها المفهرس بأجنحة الغمام، أيّها المجبول بطين المحبّة، أيُّها الآتي من جفون الكروم الوارفة بالخيراتِ، يا صديق الكلمة المضمّخة بأقصى تجلّيات بهجة الحكايا، قصصُكَ أغدقت علينا أشهى ما في القهقهات، ستبقى قامتكَ مفروشة على رحاب الذَّاكرة المزدانة بأزاهير أحواشنا العتيقة، ستبقى قامتكَ سامقة على واحات الذَّاكرة كأشجار السِّنديان!

أين أنتَ يا موسى إيليا كي تنقش بسمتكَ فوق غربتنا الجَّانحة شوقاً إلى سماء ديريك، أيّها المفروش فوق حبور الذَّاكرة على إيقاعات جمبشك المعشَّق بأغاني الحصّادين، أيّها الجّامح نحو بهاءات شوق الرّوح، يا وتراً أصيلاً من أوتار إيليا إيليا وهو يعزف أنغام الحلم المفروش على مساحات خميرة الرُّوح، يا هديل الأغاني على مدى السِّنين ....

******

* نص سردي شعري حول وهج الحنين إلى عوالم ديريك ومبدعي ديريك وجغرافية ديريك.

أشتغل على هذا النَّص وهو مشروع كتاب، للعام 2015 وهو تجربة جديدة عن أدب المكان كسرد شعري يتعانق مع وهج القص والسرد، وقد ولدت الفكرة من خلال انبعاث قامات الأحبة أمامي فوجدت نفسي منجذبا لهذه الفضاءات الرحبة! وقد أجلّت كتابة النص بسبب انشغالي وتفرغي شبه الكامل لكتابة نص روائي منذ شهور، ولابد من متابعة استكمال النص الروائي وقد أنجزت قرابة 70 بالمائة من النص، لأنني بصدد إصداره في نيسان 2015 وأغلب فصول الرواية تدور عن عوالم ديريك وتجربتي في الوطن قبل عبوري البحار! وهناك جزء ثاني للرواية حول تجربتي في الاغتراب ثم جزء ثالث حول التجربتين كحصيلة رؤاي فيما يتعلق بالشرق والغرب!

سعاد نيسان
24-11-2014, 11:08 PM
تستاهل ديريك هذا الوصف الرائع والجميل
من كاتب واديب كبير الأستاذ صبري
كيف لا وهو ابن ديريك
كل الشكر لك ونتمنى لك التوفيق
khul

naim
25-11-2014, 08:41 PM
شكرا استاذ صبري دمت بخير

smr
25-11-2014, 08:46 PM
جميلة ورائعة